معركة واترلو

شعلة الشهداء

قنـــــــاص الكتيبة
طاقم الإدارة
فريق الدعم التقني
إنضم
31 أكتوبر 2013
المشاركات
1,718
الإعجابات
3,817
النقاط
113
غير متصل
#1
معركة واترلو 1815 م




نابليون بونابرت : حارب دول أوربا عشرين سنة ، و قد أمسكوه في سنة 1814 م ، و نفوه إلى ألبا ، و اجتمع نواب الدول في مؤتمر فيينا الشهير لإعادة تنظيم أوربا ، و في ختام أعمال المجمع نهض تاران ، نائب فرنسا ، و أخبر الحضور أن نابليون هرب من ألبا ، و عاد إلى فرنسا ، و انضم إليه الجنود و القواد ، و هو الآن إمبراطور فرنسا ثانية .




فبهت الحضور هنيهة ، ثم اندفعوا جميعهم في الضحك بصورة هستيرية ، ثم قرروا محاربته ، و في الحال عقدت محالفة بين إنكلترا و بروسيا و النمسا ، و انضم إليها غيرهم بعدئذ .

و في 13 آذار (( مارس )) وقعت الدول السبع : النمسا ، إسبانيا ، إنكلترا ، البرتغال ، روسيا و أسوج (السويد) قراراَ بتجريم نابليون .

ـــ الجيوش : وصل بلجيكا في شهر أيار (( مايو )) ثلاثة جيوش ، هي الإنكليزي و البروسي و الفرنسي . و كان قائد الأول دوق ولنجتن ، و الثاني المارشال بلوخر ، و الثالث نابليون .

وصل الأول بروكسل ، و الثاني ضفاف السوم و السمبر ، و الثالث حول مدينة ليل الفرنسية . و كان نابليون يرمي إلى فصل المتحالفين ، ثم اتخاذ خطة الدفاع أمام أحدهما و مهاجمة الآخر حتى يفنيه ، ثم الإجهاز على الثاني . و لم تكن جيوش روسيا و النمسا ، المنتظرة تشغل قلبه كثيراَ .

و كان مع نابليون خمسة فيالق :

الأول : بقيادة الكونت دارلون و موقعه حول ليل .
الثاني : بقيادة الكونت رايل و موقعه في فلانسين إلى يمين الأول .

الثالث : بقيادة الكونت فاندام في مزيير .

الرابع : بقيادة الكونت جيرارد في نواحي متز .

الخامس : بقيادة الكونت لوبون لاون ، يضاف إلى ذلك فرق الخيالة بقيادة كروشي ، و الحرس الإمبراطوري القديم و الجديد.

و جاء نابليون بلجيكا في 14 حزيران (( يونيو )) ، و اجتمع بالمارشال ناي ، و سلمه قيادة جناحه الأيسر العامة ، تجاه الجيش الإنكليزي ، و احتفظ لنفسه بقيادة قلبه و جناحه الأيمن ، ضد البروسيين . و كان مع بلوخر من الجنود 83417 ، و مع ولنجتن 60,000 و مع نابليون أكثر من 106000 .

ـــ معركة كواتربراس :


بدأت الحرب بمهاجمة الجيش الفرنسي الجيش الإنكليزي في كواتربراس فتقدم المارشال ناي بسبعة عشر ألفاَ و ألفا خيال و تبعه كلرمن ــ دوك فالمي ــ بخمسة آلاف خيال ، فصار مجموع الجيش الفرنسي 23,000 . و نصب ناي مدفعيته على قمة جاميانكور المتحكمة في الميدان . و قابله السير توماس بكتن ، و ديوك برنسويك الذي قتل في المعركة .

و لما بدأ القتال انسحب الهولانديون من الصفوف الإنكليزية و استمر القتال كل النهار. و كان الفوز حليف الفرنسيين ، و لكنه في المساء تحول إلى جانب الإنكليز.

و انسحب الفرنسيون أمامهم إلى فرازن . فهاجم ولنجتن ليلاَ هضبة جاميانكور ، و انتزعها من أيدي الفرنسيين ، على أمل اتخاذ خطة الهجوم غداَ .

ــ معركة ليني : كان مع بلوخر 83417 جندياَ و 224 مدفعاَ ، عدا فيلق المارشال بولو ، القادم على الطريق و فيه 25000 ، فشبت الحرب بين بلوخر و بين نابليون و الذي أقوله أن البروسيين انسحبوا بنظام ، و التقوا بفيلق المارشال بولو ، فزادت قوتهم كثيراَ عما خسروا في معركة ليني .

و حسبهم نابليون مكسورين و منهزمين بدون نظام فتحول عنهم لمهاجمة ولنجتن . و كان بلوخر قد حل (( فوار )) فلما عرف ولنجتن أن بلوخر تأخر إلى فوار ، انسحب هو من ميدان كواتربراس إلى سان جوان قرب (( واترلو )) . و أرسل بلوخر يخبر أنه يحتاج إلى 25,000 مقاتل فيحارب نابليون غير هياب . و بناء على اعتقاد نابليون أن جيش بلوخر ضعف أرسل عليه كروشي و معه 32,000 ، و ساق بقية جيشه على ولنجتن لسحقه .

و لكن بلوخر ترك فيلقاَ معززاَ بقيادة ثلمن ، أمام كروشي ، و جاء ببقية الجيش لنجدة ولنجتن في واترلو ، و توقفت نتيجة الحرب على إدراك بلوخر ولنجتن قبل انكساره أمام نابليون . و كان المأمول أن يصل الساعة( 3 ب . ظ ) و لكن بسبب رداءة الطرقات الناشئة عن أمطار البارحة تأخر وصوله إلى الساعة الخامسة و النصف . فكان مصير أوربا معلقاَ على ثبات ولنجتن أمام هجمات نابليون هاتين الساعتين و النصف .


دوق ويلينغتون في واترلو رسمها روبرت أليكسندر هيلينغفرد

ـــ ميدان واترلو :




موقع الميدان جنوبي بروكسل عاصمة بلجيكا . و هو عبارة عن وهدة بين سلسلتي هضاب طوله نحو ثلاثة أميال ، و عرضه مختلف بين ضيق و عريض ، باختلاف المواقع . فحل الإنكليز سلسلة الهضاب الشمالية ، و الفرنسيون السلسلة الجنوبية ، و الوادي يفصل بينهما و مركز المدفعيات على قمم الجانبين متحكمة في الوادي تحتها. و كان في جانب الإنكليز قريتان و هما (( سنت جان )) و (( لايل )) تمر بهما الطريق من شارلروي إلى بروكسل . و إلى يمينهم واد و قرية (( مارك براين )) و إلى يسارهم قريتا (( بيلوت )) و (( سنت هياي )) ووراءهم غابة (( سوانيه )) و أمامهم في المنحدرات و السفوح ، موقعان جديران بالذكر :




 

شعلة الشهداء

قنـــــــاص الكتيبة
طاقم الإدارة
فريق الدعم التقني
إنضم
31 أكتوبر 2013
المشاركات
1,718
الإعجابات
3,817
النقاط
113
غير متصل
#2
الأول : أمام جناحهم الأيمن و هو مزرعة (( هوجومنت )) فيها بعض الأبنية و غابة أشجار .

الثاني : أمام قلبهم ، و هو مزرعة (( لاهاي سنت )) .

و قد عزز ولنجتن هذين الموقعين بالمدافع و الرجال . و إذا فرضنا أن الفرنسيين احتلوهما كانوا تحت رحمة مدافع الإنكليز الموضوعة فوقهما على التلال . أما الفرنسيون فكان في مؤخرتهم قرية (( بلانشوا )) .

ـــ كان مع دوق ولنجتن 49908 من المشاة و 12402 من الفرسان ، و 5645 من رجال المدفعية ، و المجموع 67655 ، معهم 156 مدفعاَ . من هذا المجموع 24,000 فقط من الإنكليز ، و كان مع نابليون 48950 من المشاة ، و 15765 من الفرسان و 7232 من رجال المدفعية ، فالمجموع 71947 معهم 224 مدفعاَ . و كلهم فرنسيون . عدا هؤلاء كان مع كروشي 32000 ، ضد البروسيين بقيادة ((ثلمن)) في فوار .
و رتب دوق ولنجتن جيوشه في صفين ، صفاَ وراء صف ، يمتد الصف الأول على قمم سلسلة الهضاب ، الممتدة من الشرق إلى الغرب ، و الثاني وراءه ، ووراء الصفين كتائب فرسان احتياطية . و كان جناحه الأيمن بقيادة الجنرال كلنتن ، و القلب بقيادة السير كوك ، و فيه الحرس الملكي . و الجناح الأيسر بقيادة السير ثوماس بكتن . و مع الفرسان جيش برنسويك الاحتياطي . و كان في مرافقة ولنجتن البارون موفلنغ البروسي ، و اللورد أركز برج قائد الفرسان العام ، و اللورد هيل ، و برنس أورانج ، و الجنرال شاسيه .

و رتب الإمبراطور نابليون جنوده ، في صفين ــ ففي الصف الأمامي فيلقا دارلون و برايل ، الأول في الجناح الأيمن تجاه ثوماس بكتن ، و الثاني في الجناح الأيسر تجاه كلنتن . ووراء الجناح الأيمن ميلهود ، ووراء الثاني كلرمن . و بينهما الفيلق السادس بقيادة الجنرال لوباو . ووراء الخطين الجنود الاحتياطية ، و فيها الحرس الإمبراطوري ، و هو أقسام يطول بي شرحها . و كان في مرافقة الإمبراطور الجنرال سومير ، و المارشال ناي ، بصفة ملازمين .

و كان الجيشان متأهبين للقتال منذ الصباح الباكر ينتظران الإشارة . و لكنها تأخرت بسبب الوحل الناشئ من أمطار اليوم السابق . و في الحادية عشرة و الدقيقة الثلاثين بدأت المعركة التي عليها يتوقف مصير أوربا .

بدأ نابليون القتال بإرسال صف قوي للهجوم على (( هوجومنت )) بقيادة أخيه جيروم . و كان الفرنسيون يوالون الهجوم صفاَ بعد صف ، و في كل مرة كان الإنكليز يردونهم بالفشل . ظل القتال على هذه المزرعة كل النهار دون نتيجة و مدافع الجانبين تطلق عليها بالتناوب ، فحين يهجم الفرنسيون تمطرهم المدفعية الإنكليزية نيرانها ، وحين يطاردهم الإنكليز تمطرهم المدفعية الفرنسية النار تمهيداَ لهجوم ثانٍ . فتصور خسارة المهاجمين طيلة النهار .
و لما بدأ القتال عمّ إطلاق المدافع خط القتال على طوله . و في الساعة الواحدة بعد الظهر أرسل الإمبراطور قوة كبيرة بقيادة المارشال ناي ، معها 74 مدفعاَ ، لمهاجمة قلب الجيش الإنكليزي و ميسرته . و كان في هذه القوة أربعة صفوف فيها 18000 من المشاة عدا الخيالة .


لوحة لويليام سادلر تمثل معركة واترلو

وكان غرض نابليون قطع صلات ولنجتن ببلوخر ، و الحيلولة دون انسحاب الإنكليز إلى بروكسل . و انتقى نابليون لهذا الهجوم زهرة جيوشه . فانحدروا عن هضابهم بنظام و أبهة ، واثقين بالفوز ، تحميهم المدافع المنصوبة على القمم وراءهم . و حالما انحدروا عن القمم فتحت المدافع الأربعة و السبعون أفواهها ، و صبت نيرانها على الأرض أمامهم ، لتمنع تعرض الإنكليز لهم . فذهب الصف الواحد إلى ميسرة الإنكليز ، و الثلاثة الأخرى إلى القلب ، و ما يلاصقه من الميسرة . و حينما دنت الصفوف الفرنسية انسحبت الجنود الهولاندية و البلجيكية أمامها . فسدّ مسدّها ، حالاَ ، فيلق بكتن الإنكليزي ، فلم ينشأ عن ذلك أمر ذو شأن .

و لكي يمكن الجنرال بكتن من صدّ هجوم المارشال ناي رتب جنوده في صفين ضيقين و طويلين جداَ ، و ساقهم في كرة على الهاجمين ، فصاح الإنكليز (( هوراه )) و انقضوا على الفرنسيين كالنسور ، و الجنرال بكتن في مقدمتهم ، فأصابه طلق أرداه قتيلاَ .

و ساعدت فرسان الجنرال بونسونبي مشاة الجنرال بكتن ، فردوا الفرنسيين مشوشين ، و أسروا منهم ألفين ، و غنموا علمين . و ظلت فرسان بونسونبي تطاردهم ، حتى وصلت المدفعية ، فعطلوها و قتلوا رجالها . و أصاب الصف الذي هاجم ميسرة الإنكليز ما أصاب الصفوف الثلاثة التي هاجمت القلب . و هذا أول فشل أصاب نابليون في هذه المعركة . فضعف جناحه الأيمن و حبطت خطته .
و في نفس الوقت ما زالت (( هوجومنت )) ترد هجمات الفرنسيين المتوالية.

رأى نابليون ، بأسف شديد ، نخبة رجاله تتساقط أمامه ، سقوط أوراق الخريف . و راعه أن ظهرت في الأفق الشرقي طلائع بلوخر ، و لكنه أراد أن يشجع رجاله ، فقال لهم أنها طلائع كروشي قادمة لنجدتهم ، و لم يكن يجهل أنها جنود بلوخر . أما كروشي فكان مشتبكاَ في القتال أمام ثلمن ، على بعد 12 ميلاَ من نابليون ، و قد تمادى في مد صفه إلى الشرق ، حتى صار يتعذر عليه انجاده ، و قد فصلت بينهما جيوش بلوخر الجرارة و هددت ميمنة نابليون .

و إذا كان نابليون قد عجز عن مقاومة ولنجتن وحده فماذا تكون حاله و قد انضم إليه بلوخر بأكثر من خمسين ألفاَ ؟

فأدرك نابليون أن الوقت أثمن من أن يضاع ، إذ كانت جنود بلوخر قد ابتدأت تضغط على ميمنته . فأبرز وسيلتين للفوز على خصمه العنيد :



الوسيلة الأولى : أنه وجد فيلق لوباو ، المشاة ، لملاقاة بلوخر ، و صحبهم بكوكبات من الخيالة . فنجحوا في صد طلائع البروسيين ، و لكنهم لما وصلت جيوشهم الدافقة نكصوا أمامها . و اتخذ الحلفاء خطة حازمة ، ليس لمنع نابليون من الوصول إلى بروكسل ، بل أيضاَ لقطع خط الرجعة عليه ، إلى فرنسا ، و قرض جيشه كلياَ و نهائياَ . و لهذا السبب بذل نابليون أقصى جهده في الدفاع عن بلانشوا في مؤخرة جيوشه .الوسيلة الثانية : أنه زاد إطلاق المدافع على جبهة ولنجتن ، فأحل بها خسارة كبيرة ، و لكنه لم يسحقها ، و لا زحزحها عن مواقفها قيد شبر ، فجمع خيالته و أرسلها على قلب ولنجتن مرة ثانية و أرسل من ميسرته جنوداَ جديدة على هوجومنت و لاهاي سنت .

و حمي وطيس القتال ، ووالت كتائب نابليون هجماتها ، و رأى نابليون فرسانه تحصد حصداَ بنيران الإنكليز ، و كانت سواعد الفرنسيين أمام ميسرة الإنكليز ، و عجزت عن فصلهم عن بلوخر ، و في ذلك مصرع نابليون . و أخيراَ ، و قد دنا بلوخر ، استبسل الفرنسيون في هجومهم على ميسرة الإنكليز ، عند طريق شارلوي. و كان في تلك النقطة الفصائل الإنكليزية:
30 ، 33 ، 69 و 73 . فأحلوا بها خسارة عظيمة ، و لكن لم ينجم عن ذلك عمل فاصل .

و شدد نابليون هجماته على ميمنة ولنجتن فوق (( هوجومنت )) و زحزح الإنكليز عن مواقفهم .

فهتف الفرنسيون هتاف النصر . و لكن ولنجتن بادر حالاَ ، و نظم مشاته في شكل مربعات ، فتعذر على خيالة الفرنسيين اختراقها ، ثم أعادوا الكرة فصدوا أيضاَ . و كلما نكصوا مرة تلقفتهم مدافع الإنكليز . فأفنت هذه الهجمات الخائبة فرسان نابليون.

و لكن جناحه الأيمن أحرز بعض الفوز ، أمام ميسرة ولنجتن ، فانتزعوا (( لاهاي سنت )) من الإنكليز .

و لكن جيش بلوخر وصل بأجمعه ، و أدرك حقيقة الموقف ، و في الحال نظم جبهة ممتدة من الشمال إلى الجنوب ، شرقي ميمنة نابليون . فصار جيش الإمبراطور في شكل زاوية قائمة ، فضلع تجاه الإنكليز ، و ضلع تجاه البروسيين .

لما اشتد الضغط على ولنجتن ، قبيل وصول بلوخر ، أخذ يشدد سواعد رجاله ، و كان ينتقل من مكان إلى مكان ، و يلقي على مسامع الرجال عبارات حماسية ، و كان حين ترتخي أيديهم يتقدم بنفسه للعمل ، مثلاَ : طلب قائد أحد الفيالق منه مدداَ أو يأذن له بالانسحاب . فرد عليه أن ليس هناك من مدد ، و أنه يجب أن يحفظ موقفه حتى يفنى آخر رجل في فيلقه . و سأله أركان حربه ما هي خطته ، حتى إذا أصابه سوء جروا عليها ، فأجابهم : (( الخطة هي الثبات إلى أن نفوز أو يهلك آخر رجل في جيشنا )) .

ـــ تصرف نابليون : كان مركزه على قمة (( لايل اليانس )) وراء قلب صفوفه . و كان أمامه خوان ( طاولة ) عليه الخرائط و الرسوم الحربية . و بيده مرقب ( تلسكوب ) يرقب به حركات الجنود ، و سير القتال ، و إلى يساره الجنرال (( سولت )) يتلقى أوامره فيرسلها سراعاَ إلى محل الإيجاب ، بأيدي كبار الضباط ، الواقفين وراءه على الأقدام ، استعداداَ للعمل . ووراء الإمبراطور أركان حربه على خيولهم ، في أتم الاستعداد للموت أو الحياة .

و لما فشل هجوم ناي ، الأخير ، و اتصلت ميسرة ولنجتن بميمنته ، و حمي وطيس القتال ، فهم قائد الدنيا ، أنه وارد مورد الهلاك ، فنهض عن كرسيه ، و امتطى صهوة جواده ، و رام الانسحاب ، فتعذر عليه ، لأن العدو على الأعتاب . فلم تبق لديه وسيلة إلا المناداة بحرسه الخاص . فرتب أولئك الفدائيين الأعزاء في صفين ، و سلم قيادتهم للمارشال ناي الخبير و رافقهم الإمبراطور ، على حصانه مسافة ، و هو صامت . و لما وصل النقطة التي يفارقهم عندها الفراق الأبدي ، رفع يده ، و مدّ سبابته نحو الإنكليز ، دون كلام ما . ففهم حرسه أنه يعني : هذا هو طريق نجاتكم الوحيد و هو طريق النجاة من العار بتضحية الحياة .



فصاح الحرس بصوت واحد : (( ليحي الإمبراطور )) . و انحدروا إلى وادي ظل الموت . ووجهتهم يمين قلب الجبهة الإنكليزية ، و في نفس الوقت جهز القائد ( دانزلوت ) الذي حل لاهاي سنت ، هجوماَ آخر على ميسرة قلب الإنكليز . فكان قلب الإنكليز مهاجماَ من الجانبين فغنم الفرنسيون مدافع إنكليزية ، وجهوها إلى الإنكليز فضاقت الجنود الإنكليزية ذرعاَ بذلك . و عجز برنس أورانج عن نجدتها ، و ارتدت بعض الفصائل التي كان ولنجتن قد أرسلها للنجدة . فاضطر الدوق أن يتقدم بنفسه لقيادتها . هنا بلغت المعركة أوج عظمتها و اشتدادها .

و لما تمكن ولنجتن من صد هجمات دانزلوت ، أسرع لإنقاذ ميمنته من الحرس الإمبراطوري الشديد البأس ، و هو في منتهى الاستبسال . فأصيب تحته حصانان ، فترجل ، و سار في مقدمة الحرس ، شاهراَ سيفه . و وصل الربوة التي عليها جنود (ميتلاند) فجرى لهم ما يأتي :

وصل المارشال ناي إلى قمة الربوة ، فلم ير أحداَ من الجنود الإنكليزية .
فتحير لحظة . ثم رأى بعض الحرس الإنكليزي فتقدم نحوهم ، على أنه لم يتقدم ثلاثين ياردة ، حتى انحنى رجل إلى الأرض و صاح صيحة ردّت أصداءها الحجارة الصماء : (( هيا بنا يا رجال الحرس ، هيا )) .

فتحول كل حجر في الأرض جنوداَ و قامت آلاف الجنود على الإقدام في وجه الحرس الإمبراطوري .

ذلك الرجل هو دوق ولنجتن نفسه ، و قد مدد جنود ميتلاند على الأرض ، لاتقاء نيران المدافع الفرنسية التي صبت نيرانها أمام الحرس الهاجم . فلما وصل الحرس إلى القمة التي عليها جنود ميتلاند و كفت المدافع الفرنسية عن إطلاق النار ، و حان وقت الاشتباك ، صاح ولنجتن بالحرس الإنكليزي فنهضوا نهضة الرجل الواحد . ذلك آخر سهم في كنانة نابليون ، و كان يرقبهم عن كثب ، فرآهم ناكصين تحت نيران الإنكليز ، و كان ما يزال لديه بعض الفصائل ، فأضافها إليهم ، و أمرهم بإعادة الكرة على الإنكليز . هنا برز دوق ولنجتن بمظهره الحقيقي ، ذلك المظهر الذي أهله لمنزلة أعظم قائد في تاريخ إنكلترا . فلم ينتظر طويلاَ وصول الفرنسيين بل لاقاهم برجاله ، فتوسل إليه أركان حربه أن يرأف بنفسه أن ترد موارد التهلكة . فصاح بهم : (( لا ضرورة لحياتي بعد ، فقد ربحت المعركة )) .

فحل الاضطراب بالفرنسيين . و كان بلوخر قد شدد الضغط على جناحهم الأيمن ، و لم يبق عندهم خيالة تقف في وجهه فتزحزح الحرس الإمبراطوري عن بلانشوا . و صار نابليون مهدداَ بقطع خط الرجوع .

و بدأت نقطة الانحدار في حياة نابليون ، فخطا آخر الخطى في حياة بسالته ، و مزاياه الحربية ، و مثل نابليون من يحسنها . فجمع بقية حرسه و نظمهم مربعات ، و سار بهم و هو في وسط أحد تلك المربعات ، يحيط المارشال سولت و الجنرالات برتران ، درو ، كوربينو ، دي فلاهون و جورغود . و صاح نابليون بهم : (( لقد طاب الموت )) . فتقدم إليه المارشال سولت ، و قبض على زمام حصانه قائلاَ : (( مولاي الإمبراطور ، هل حظ الأعداء ناقص فتريد أن تكمله ؟ )) .

و بعد جهد جهيد تمكن الجنرالات من رد نابليون عن عزمه فعندئذ ألوى عنان جواده ، و برح الميدان ، لآخر مرة في الحياة ، و هو يقول :

(( خسرنا كل شيء . إلا الشرف ! )).
 

TAHK

وتلك الأيام نداولها بين الناس
إنضم
4 يوليو 2014
المشاركات
1,382
الإعجابات
2,919
النقاط
113
غير متصل
#3
خسرنا كل شئ الا الشرف !


اما الهرب فهو يحفظ بعض الشرف

الحروب ﻻ شرف فيها

فهي تبسيط لمعنى (الا اخلاق و الا انسانية) .
 

شعلة الشهداء

قنـــــــاص الكتيبة
طاقم الإدارة
فريق الدعم التقني
إنضم
31 أكتوبر 2013
المشاركات
1,718
الإعجابات
3,817
النقاط
113
غير متصل
#4
خسرنا كل شئ الا الشرف !


اما الهرب فهو يحفظ بعض الشرف

الحروب ﻻ شرف فيها

فهي تبسيط لمعنى (الا اخلاق و الا انسانية) .
ربما مقولة ختامية رائعة لرجل انتهى ..؟

أكبر من ظلمهم التاريخ هم الأبطال المجهولون

حروب السيف والخيل ليست كحروب الكروز والطائرات بدون طيار

ربما ساحة القتال والمواجهات عن قرب بين المتقاتلين تجعل لمثل هذه الكلمات معاني أثار كبيرة
 

شعلة الشهداء

قنـــــــاص الكتيبة
طاقم الإدارة
فريق الدعم التقني
إنضم
31 أكتوبر 2013
المشاركات
1,718
الإعجابات
3,817
النقاط
113
غير متصل
#6
معركة شرسة اعجبني من قام بسرد القصة
شكرا
سعيد أنها أعجبتك
الموضوع وجدته في أحد المواقع مع بعض الاضافات مني لكنه مقتبس من كتاب : " معارك فاصلة في التاريخ "
 
أعلى